Tuesday, July 28, 2009

في الديمقراطية التوافقية

تستهلك الحياة السياسية في لبنان كمّية من المصطلحات، وتجترّها غالباً وفق توظيفات واستخدامات خاطئة علمياً، إضافة الى تهافتها حتى في الواقع السياسي الوطني.
ولعل مصطلح "الديمقراطية التوافقية" هو أكثر تلك المصطلحات تعبيراً عن هذا الاستهلاك المتهافت في السجالات والمقولات المتداولة في السنوات الأخيرة.
فإن سعى مُكلَّف لتشكيل حكومة موسّعة، قيل إن المطلوب هو قيام حكومة "وحدة وطنية" تقتضيها "الديمقراطية التوافقية". وإن قَرّر طرف تعطيل المؤسسات والمساق السياسي الحكومي، قاطعها أو استقال منها أو أوصد أبواب بعضها بحجة "الشرط الميثاقي" المستند الى مبادئ "الديمقراطية التوافقية"! وإن طَرح أحدهم ضرورة البحث في سبل إصلاح النظام السياسي واحترام مبدأ فصل السلطات وإتاحة الفرصة للجميع بالتمثّل في المجلس النيابي من دون قسرية تشكيل حكومات هجينة يمكن تعطيل القرارات فيها، رُدّ عليه بإن "الديمقراطية التوافقية" تتطلّب مشاركة كل القوى في السلطة التنفيذية على نحو لا يسمح لأحد باحتكار الحكم واتخاذ القرارات التي تهدّد فئات لبنانية، أو بالأحرى، التي لا تقبل بها هذه الفئات...

ولكن ما هي "الديمقراطية التوافقية" أصلاً؟
تقوم فلسفة الديمقراطية التوافقية على أساس أن المجتمعات ذات التنوّع الإثني أو اللغوي أو الديني تحتاج الى أنظمة تُطَمئن مختلف مكوّناتها وتُتيح لهذه المكوّنات المشاركة والتمثّل في السلطات على نحو يجعل اتخاذ القرارات الكبرى (المرتبطة بالكيانات وحدودها وسيادتها وحروبها ومعاهداتها وتغيير نظمها) بأكثريات مطلقة متعذراً، ويُلزم الحكومات بالتالي ثم البرلمانات بعدم إقرار ما لا يحظى بأكثريات موصوفة لا تقلّ عن الثلثين.
وهي – أي فلسفة الديمقراطية التوافقية – تفترض أنها بحرصها على جميع مكوّنات المجتمع إنما تحول دون الأزمات وتدفع الجميع في لحظات الخلاف الى تسويات تحتكم الى الآليات المؤسساتية والى ما تنصّ عليه من شروط لاتخاذ القرارات.
على أنها، تتطلّب لاعتمادها، عناصر تأسيسية لا غنى عنها:
- وجود حكم مركزي يملك في مؤسّساته الحق الحصري في اتخاذ القرارات، بالأكثرية المطلقة في الحالات الإدارية والإجرائية، وبالأكثرية الموصوفة في الحالات المصيرية.
والأكثرية الموصوفة ليست بالضرورة حكومية، فهي في الأساس تشريعية إذ أن القرارات الحكومية تحتاج الإقرار البرلماني. وهذا ليستقيم، يشترط فصل السلطات فصلاً صريحاً.
- وجود نظام لامركزية موسّع يتيح للمناطق (في حال كان التنوّع في المجتمع يتّخذ منها شكله السياسي) ممارسة سلطات موسّعة في الخدمات (مع وجود حكومات ومجالس منتخبة في الحال الفيدرالية)، من دون تهديد مركزية السياسات الوطنية.
- وجود مجلسين، للنواب وللشيوخ يتوزّعان الصلاحيات، مع انتخاب شعبي غالباً ما يكون وفقاً للنظام النسبي وبتقسيمات للدوائر تعكس تنوّع الهويّات القائم وتؤمّن له البروز.
وتتشكل الحكومات لاحقاً من الأحزاب المنتمية الى العائلة السياسية أو الى التحالف السياسي الفائز بالعدد الأكبر من المقاعد. ويكون ممثلّوها من جميع الدوائر – المناطق. فتأتي بالتالي متجانسة سياسياً ومتنوّعة مناطقياً (وبالتالي فيها ممثلون من مختلف الجماعات الدينية أو الإثنية/القومية أو الثقافية/اللغوية، إلخ).
- وجود آليات تحكيم داخل المؤسسات يجري الاحتكام إليها لاحتواء مضاعفات أي خلاف على قضايا جوهرية. وهذا بدوره له أحكامه، وفي حالات معيّنة يمكن الذهاب الى استفتاءات شعبية مناطقية أو وطنية تخضع بدورها لشروط واعتبارات.


هل هذا فعلاً ما نعتمده في لبنان؟
يبدو ممّا سبق عرضه، ولو باختصار، إن ما يُستخدم في اللغة والممارسات السياسية في لبنان في السنوات الأخيرة بعيدٌ عن "الديمقراطية التوافقية" كما هو مُتّفق على تعريفها واعتمادها.
- فلا فصل السلطات عندنا مُحترم – رغم أنه واضح في الدستور – إذ أن الجميع يشارك في تشكيل السلطة التنفيذية، وتمتلك مختلف الكتل النيابية حصصها فيها. وهذا يجعل الحكومة الى حد بعيد صورة مصغّرة عن البرلمان ويُبطل بالتالي مبرّر عمل الأخير في ما يختص بمراقبتها ومساءلتها، هذا عدا عن إلغاء موجبات وجود معارضة فاعلة تحقّق توازن الحياة السياسية.
- ولا سلطة الدولة وحدها على مجالات السيادة مُحترمة، بل ثمة مجموعات تحصر الفعل السيادي بها، وتقيم علاقاتها وتحالفاتها الخارجية المختلفة والمتناقضة. وأكثر من ذلك، ثمة من بينها من يملك قرار الحرب والسلم ويستطيع اتّخاذه دون العودة الى الدولة، لحيازته المقوّمات اللازمة لذلك (سلاح وجهاز قتالي وأرض يتحرّك فوقها وتحتها بمعزل عن الدولة).
- ولا اللامركزية لجهة التنمية والمرافق الإدارية موجودة، إذ أن الدولة شديدة المركزية خدماتياً، والإدارة فيها قليلة الفعالية، أما البلديات ومجالس الأقضية، فمهمّشة أو مغيّبة.
- والأهم، أن مبدأ التوافق كفلسفة في الحكم، غير موجود عندنا إلا لضرورات قسرية، وهو في أي حال مطلب تنادي به مجموعات وتريد الاستناد إليه لتعطيل "حصة" غيرها، في وقت ترفضه إن طال "حصّتها"!
وهذا يسمح في جملة مؤدّياته، لا الى استمرار الأزمات من دون فرملة داخلية فحسب، بل وأيضاً الى استحداث آليات تحكيم وحلّ نزاعات خارج مؤسسات الدولة: في التشكيلات الأهلية والدينية حيناً (مما يبقيها قوية ومستنفرة ومُضعفة للولاء الوطني)، وفي الخارج أحياناً أخرى، عند اشتداد الأزمات وتفاقمها.
بهذا المعنى، يأتي التوافق قسرياً تفرضه الخشية من الانزلاق الى الحروب. وإن لم يجد من يفرضه قبل الانزلاق، ذهب الجميع الى الاقتتال فاستجلبوا التدخل لتغذية اقتتالهم أو لفرض وقفه!
من هنا، يستمرّ لبنان في التخبّط بأزماته، وتتناسل الأزمة من سابقتها، أو أحياناً تأتي من الخارج مباشرة لتجد في القسمة الداخلية من يرحّب بها رغبة باستخدامها تحسيناً لشروطه في مواجهة منافسيه، أو طمعاً بما يمكن أن تجلبه له من مقوّمات مادية تعزّز سلطته ونفوذه داخل جماعته الأهلية والمناطقية.

هل هذا يعني أن الاحترام الفعلي لفلسفة الديمقراطية التوافقية إن تم، يحلّ مشاكلنا؟
لا نعتقد ذلك لأسباب عديدة تستحقّ نقاشاً مستفيضاً. لكن أبرزها قائم في ثلاثة عناصر.
الأول، عام، مردّه أن نظام الديمقراطية التوافقية حين يُقرّ، يأتي ترجمة لتوازن قوى معيّن في المجتمع، يمكن أن يكون ديموغرافياً أو اقتصادياً أو استراتيجياً. وهذا التوازن عرضة للاختلال ما إن تتغيّر معادلاته وتحالفات المنضوين فيه وميولهم وتطلّعاتهم. كما أنه عرضة للتبدّل كل ما خرج طرف رئيسي عن نقاط التوافق التأسيسية له.
بذلك، يتحوّل النظام الذي أنتجته الرغبة في إرضاء الأطراف المتعاقدة وتجنّب الأزمات في ما بينها، الى مصدر للتأزّم في ذاته نتيجة التجاذب الذي قد يتعرّض له، ونتيجة عجزه عن إدارة الصراعات إن نشبت ورفض أطرافها الامتثال لما يُمليه، مفضّلين تعديل شروطه وتغيير آليات تقاسم السلطة من خلاله.
وهذه الأمور كثيرة الحدوث في لبنان. فأي نظرة للاصطفافات الطائفية وتبدّل تحالفاتها الداخلية والخارجية وتعدّل ديمغرافيتها تشير الى سرعة الوقوع في أفخاخ المطالبات من هذا الطرف أو ذاك بتعديل قواعد التواصل أو الاشتباك المعتمدة سابقاً. مما يعني أن الساعي الى التعديل كما الرافض له إن امتلكا مشروعيتهما الشعبية يستطيعان شلّ النظام سلمياً وتسهيل الخروج عليه ثم ضربه في المؤسسات كما في الشارع.
الثاني داخلي، مفاده أن القدرة على الاستقطاب الطائفي في لبنان غالباً ما تتصاعد عند الطوائف جميعها في المرحلة نفسِها. وهي بالتالي تفرض مشروعيات طائفية لا يمكن تجاوزها عند تشكيل السلطة، في شقّيها الحكومي والبرلماني. ففي اللحظات الحرجة (وهي كثيرة!)، غالباً ما يكون رئيس الحكومة هو السني الأقوى، ورئيس المجلس هو الشيعي الأقوى (أو المفوّض من الأقوى) حتى ولو كان أقلوياً في المجلس. ويصعب بالتالي أن يتجاوز أحدهما الآخر مما يعيق العمل لمجرّد تباين آرائهما وصولاً الى تعطيله. أما رئيس الجمهورية، المُنتخب من النواب، فيقبع بين حاجته لمشروعيّته المسيحية من ناحية، وارتباطه بالأكثرية النيابية التي انتخبته من ناحية ثانية، مما يمكن أن يُضعفه ويجعله خاضعاً للابتزاز إن لم يُخرج مؤسسة الرئاسة من أسر يفرضه الواقع الطائفي، ويحوّلها الى موقع تحكيم أو ترجيح مستقل فعلاً.
كما أن المأزق في لبنان الناتج عن تناقضات في الخيارات الخارجية بين المجموعات الطائفية، لم ينتج تسوية يقبل الجميع بها وتستند الى مبدأ التحييد أو الحياد عن صراعات المحاور والدول. وبذلك، يمكن عند أي إثارة لشأن خارجي، أن تعترض مجموعة قوية في تمثيلها الطائفي، أو أن تعتكف أو تستقيل، فتُسقط باعتراضها القوام التوافقي عن السلطة وتشلّها.
وهذا ممكن من دون سلاح، فكيف والصواريخ مملوكة بالآلاف؟
السبب الثالث، خارجي، وهو متأتّ من القدرة المتنامية "للخارج" على التدّخل في لبنان نتيجة عمق التباينات الداخلية في النظرة الى هذا الخارج، ونتيجة الحاجة إليه لضبط الأمور أو حسمها إن تأزّمت لبنانياً وانتفت إمكانات التفاهم أو الوصول الى حلول داخلية لها.
ولعلّ رصداً بسيطاً لانزلاق الأثر الخارجي من لعب أدوار تسووية يتوّجها انتخاب رئيس للجمهورية (فؤاد شهاب مثالاً) الى حدّ الضغط راهناً باتجاه البحث في تركيبة الحكومة أو حتى في أدبيات بيانها الوزاري، يشير الى ازدياد الانكشاف على الخارج وتحويله مركزاً تحكيمياً فائق الأهمية قد يسهّل شؤوننا إن اتّفق لاعبوه الرئيسيون، أو قد يعجّل في دفعها الى الانفجار إن اختلفوا وأرادوا اعتماد جغرافيتنا بريداً لرسائلهم.

لهذه الأسباب، تتّسم الدعوة المستمرة للبحث في طبيعة نظامنا السياسي واقتران عجزه بالمعضلات التي تدفعه إليها الأزمات في أطوارها المختلفة، كما تتّسم المطالبة الملحّة بضرورة الحوار حول موقع لبنان في المنطقة وعلاقته بالخارج وأشكال ترجمة هذه العلاقة، بالأولوية المطلقة.
فعلى عكس ما يعتقد البعض، لا يمكن النأي بلبنان عن الأهوال المحيطة فيه، أو النائمة في مجتمعه، إن لم يُفتتح هذا البحث الشاق ويُبدأ الحوار حوله بمثابرة ونفس طويل.
وهذا طبعاً يقتضي، وقبل أي شيء آخر، حدّاً من الاستقرار وحرية القرار. وقد كانت الانتخابات الأخيرة مؤشّراً الى ميل اللبنانيين للانتصار للحدّ المذكور والإتيان بمن بفترض أنهم يمثّلونه. فهل ستُستغلّ الفرصة قريباً للتفكّر الجدي بطبيعة أزمتنا المركّبة، أم أن الاستسهال والركون الى الحلول المؤقتة سيظلان الميزة الاولى لحياتنا السياسية؟
قد لا يبدو الجواب مطمئناً. لكن التذكير بالسؤال يبقى واجباً...
زياد ماجد

Tuesday, July 21, 2009

عن قضية المرأة وحقّها في منح الجنسية لأولادها

بعيداً عن القضايا السياسية الكبرى التي تشغل الرأي العام، على أهميتها ووجاهتها، وبعيداً عن الهموم الإقليمية وما يُرجّح أن تحمله من مقايضات أو صدامات، قد يكون التطرّق أحياناً في المقالات والكتابات اليومية الى أمور إجتماعية وحقوقية وبيئية (هي أيضاً سياسية) مفيداً للتذكير بأن في لبنان شؤوناً كثيرة يمكن تغييرها أو إصلاحها.
ولعل في القرار الشجاع الذي أصدره القاضي والمشرّع المجتهد جون قزّي في ما خصّ حق إحدى السيدات اللبنانيات في منح الجنسية لأبنائها، ما يفتح الباب للبحث في واحد من هذه الشؤون.
فشأن الجنسية ومنع المرأة من منحها لمن تلد هو واحد من المجالات العديدة التي تعاني فيها النساء اللبنانيات من التمييز، ولو أنه على الأرجح أعمقها دلالة، إذ هو يعكس وعياً تشريعياً لا ينظر الى المرأة بوصفها كاملة المواطنة أو تامة الإنتماء الى وطنها (على نحو يسمح لها بنقل المواطنة والانتماء الى أولادها). وهو بهذا المعنى أحد تجليّات منظومة ثقافية وتشريعية متكاملة تميّز ضد النساء، إن في قوانين الأحوال الشخصية، أو في قانون العقوبات أو في القوانين الراعية للمداخيل والتعويضات الاجتماعية والصحية أو تلك الخاصة بنهاية الخدمة.
يضاف الى ذلك، التمييز ضدها في الميادين السياسية وفي قيادة المؤسسات العامة (والخاصة).
وليس احتلال لبنان المركز 129 من أصل 139 في سجل تمثيل المرأة البرلماني (نسبة النساء في برلمان 2009 هي 3,1 في المئة بعد أن كانت 4,7 في المئة في برلمان 2005)، واحتلاله كذلك أحد المراكز الاخيرة في التمثيل الوزاري (3,3 في المئة في الحكومات الثلاث الأخيرة) سوى تعبير عن عمق الأزمة المجتمعية في ما يخصّ موقع المرأة، رغم التقدم الحاصل على مستويات أخرى ذات صلة بالتحصيل العلمي والرعاية الصحية والحريات الفردية أو المسلكية.

وقد بات من الملحّ اليوم على الإصلاحيين والمتطلّعين الى بناء الدولة الحديثة، اعتبار قضية المرأة قضيتهم، والعمل (نساء ورجالاً) على تطوير الحملات الهادفة – على سبيل المثال - الى:
- إلغاء القوانين المميزة ضدها، ومنحها الحق في إعطاء الجنسية لأولادها ولزوجها.
- اعتماد الكوتا النسائية في الانتخابات والتعيينات الإدارية (وفق توصيات المؤتمرات الدولية في هذا المجال، وبالأخص مؤتمر بكين عام 1995) لتحسين حضور المرأة في المواقع القيادية وتعويد المجتمع على صورتها رائدة ومسؤولة (والإقلاع عن الشعار الباهت "بأن المطلوب ليس زيادة عدد النساء لأنهن نساء، بل المطلوب النوعية"، وكأن السياسيين أو الإداريين الرجال جميعاً من "النوع الخارق"، أو كأن المطلوب من المرأة أن تكون متفوّقة ليُقبل بانخراطها في الشأن العام في حين أن لا ضرورة لأن يكون الرجل أكثر من عادي، أو أقلّ من ذلك في أغلب الأحيان!)
- رفض العنف الذي تتعرّض له أُسَرياً واجتماعياً، وتجريمه قانونياً.
ويمكن بالطبع إضافة العديد من المسائل الأُخرى. لكن ولوجها يتطلّب البدء من مكان ما. ولعل ما ذُكر نقطة انطلاق...
إن الانتصار لحق نصف المجتمع بأن يتساوى مع النصف الآخر هو، الى كونه مدخلاً للتحديث والتنمية الإنسانية والمساواة، والى كونه "بداهة" حقوقية، واحد من المهام المواطنية (السياسية)، ومساهمة في التأسيس لمستقبل تقوم العلاقات فيه على أساس مقدار أعلى من الاحترام والعدالة والتسامح...
زياد ماجد

Tuesday, July 14, 2009

في المجريات الإقليمية والدولية

يكثر الحديث في لبنان اليوم عن مرحلة جديدة في العلاقات الإقليمية والدولية.
في ما يلي، محاولة لتلمّس بعض المعطيات المستجدة، إنطلاقاً من البحث في الديناميات المتعلقة بثلاث دول على تماس مباشر مع لبنان وعلى تأثير فيه: سوريا وإيران وإسرائيل.
أولاً: في "المسألة السورية":
يمكن القول إن مسارين يرسمان العلاقة دولياً وإقليمياً مع النظام السوري في المرحلة الراهنة.
- مسار أوروبي تقوده فرنسا، ويهدف الى التطبيع السياسي والاقتصادي السريع مع دمشق ودعم مساعيها للتصالح مع واشنطن، لإبعادها عن طهران وعزل الأخيرة تمهيداً للتفاوض معها مجرّدةً من أهمّ أوراقها. وبالتوازي، يتم تقديم دفتر شروط يمرّ باحترام استقرار لبنان، وضمان أمن قوات الطوارئ المنتشرة في جنوبه وفق القرار 1701، وفتح السوق السورية لاستثمارات وعمليات تجارية فرنسية وأوروبية. وتتماثل المقاربة السعودية الحالية الى حد بعيد مع هذا المسار الفرنسي الأوروبي.
- ومسار إنفتاح أميركي حذر وبطيء يرى في ترجمة الوعود السورية الى ممارسات تضمن الهدوء في العراق ولبنان وتضبط الحدود معهما وتقلّص هوامش تحرّك حزب الله، دليلاً على صدق النوايا ومدعاةً للتطبيع. وهو بدوره مسار يعدّ فصل دمشق عن طهران مكسباً كبيراً وإتاحة لفرصة تحريك الديبلوماسية مع إيران "معزولة".
ويمكن اعتبار الأداء المصري الراهن أقرب الى الاميركي منه الى الأوروبي والسعودي.
ثانياً، في الموضوع الإيراني:
نقف هنا، منذ وصول أوباما الى البيت الأبيض أمام مواقف أميركية مشابهة للمواقف الأوروبية، وداعية الى اعتماد الحوار مع إيران، وتطمينها الى احترام دورها الإقليمي ومكانتها شرط وضع برنامجها النووي تحت إشراف دولي يضمن الحيلولة دون تحوّله الى برنامج عسكري. ويترافق ذلك مع مساعي أميركية لنوع من مقايضة روسيا بالدرع الصاروخي على حدودها الغربية بدعمها النووي لإيران، كما يترافق مع ما أشرنا إليه سابقاً من فصل إيران عن حلفائها وجعلها في موقع تفاوضي أصعب، ومن تلويح بعقوبات اقتصادية قاسية إن لم تتجاوب مع المساعي الديبلوماسية "الإيجابية".
في مقابل ذلك، تعمل إسرائيل بجهد حثيث لإقناع واشنطن وعواصم القرار الأوروبي بضرورة مهاجمة إيران عسكرياً وتدمير منشآتها النووية قبل ما تسمّيه تل أبيب "فوات الأوان مع استحقاق القنبلة". وتزعم إسرائيل أن ضرب إيران يسهّل الحلول في المنطقة ككلّ.

ثالثاً، واستطراداً في الوضع الإسرائيلي:
تحاول إسرائيل إذن الدفع باتجاه الحرب. حرب على إيران بالترافق مع ضرب لحزب الله وحماس، أو على الأقل مع منع لهما من التحرك، عبر الاتفاق مع النظام السوري (برعاية دولية) على الضغط عليهما "للهدوء" والاستكانة. وترفق إسرائيل خطط الحرب على إيران بالإعلان عن الاستعداد للتفاوض مع دمشق ومباركة المسعى الفرنسي للعب دور وسيط في هكذا "مفاوضات سلام" من أجل تخفيف الضغط عليها في ما خص التسوية مع الفلسطينيين (لرفض حكومتها الحالية أي حل يضمن الحد الأدنى من الحقوق الفلسطينية)...
أين يقع لبنان من كل هذه المعطيات؟
لا شك أن التماس الجغرافي مع إسرائيل من جهة، والطموح السوري للعب دور جديد بحجة "تسهيل" الأمور من جهة ثانية، والحاجة الإيرانية للتلويح بالجبهة الجنوبية في حال تعرّضها للضرب من جهة ثالثة، تجعل من لبنان حلبة صراع مفتوح تجلب التدخلات والوساطات الأميركية والأوروبية والعربية والأممية غير المضمونة النتائج.
على أن ما يزيد من تصعيب الأمور وسط كل ذلك، هو أن الانقسام اللبناني الداخلي، وإصرار حزب الله على إدارة تحالفاته الخارجية بمعزل عن الدولة اللبنانية يقحم البلاد في ما لا قدرة لها على احتماله: الانخراط "ميدانياً" في معسكر كان إيرانياً سورياً وقد يصبح إيرانياً فحسب، ويضعها قسراً في موقع متقدم في الصدام إذا حصل، مفسحاً في المجال أمام النظام السوري للعب دور قد يبدو لكثر في الغرب "ضرورة للضبط" (خاصة إن صدر عن المحكمة الدولية في المرحلة القادمة قرار ظني يشبه ما ذهبت إليه "دير شبيغل" الالمانية! وهذا شأن آخر يتطلّب قراءة دقيقة له ولتداعياته الخطيرة والمعقّدة، وغير البعيدة تماماً عن المناخات الإقليمية المشار إليها في هذه العجالة)...
وفي أي حال، ليس الجزم بمؤدّيات الأمور في المنطقة اليوم سوى ضرباً من ضروب "التبصير"، إذ أن المسارات تحمل احتمالاتها في ذاتها وفي حركتها وقد تُنتج أحداثاً مختلفة.
لكن المهم هو رصدها ومحاولة فهمها. والأهم هو الإسراع في تشكيل سلطة لبنانية تنفيذية تستند الى نتائج الانتخابات التشريعية، وتؤمّن مستوى من المشاركة الوطنية لا يعطّل حداً من التجانس المطلوب في الحكم، لبلورة خريطة طريق وطنية تتعامل أولاً مع الاحتمالات والسيناريوهات الخارجية على اختلافها، وثانياً مع الملفات الداخلية الكثيرة الكثيرة...
زياد ماجد

Tuesday, July 7, 2009

بعد انتهاء مرحلة

يمكن القول إن المعطى الثقافي كان نقطة ضعف بارزة في مسار الانتفاضة الاستقلالية.
ذلك أن لا أفقاً إصلاحياً مبنياً على برامج تؤسس لثقافة سياسية جديدة جرى تظهيره ليشكل تحصيناً للاستقلال، ولا بعداً ثقافياً جرى بناؤه يربط الاستقلال الوطني بالحرية والديموقراطية، في معانيهما العريضة، وانعكاسات ذلك الواسعة اجتماعياً وسياسياً في البلاد.
ومردّ هذا ليس فقط الأولوية التي فرضتها "المعركة" ضد الهيمنة السورية وحلفائها اللبنانيين على وجاهتها، ولا الضغط الأمني والاغتيالات المترتّبة على تلك "المعركة" وما تسبّبت به من إرباك وإنهاك.
السبب يكمن ربما في عاملين مهمّين هما:
أ- طبيعة التحالف الذي جمع قوى متعددة الخلفيات والمشارب الفكرية والسياسية، ومختلفة التكوين، أكثرها أهلي طائفي، وأقلّها مدني علماني، لم يوحّد جهودها سوى الشعار الاستقلالي، وهو في كل حال كان كافياً لفترة، ولم يبقها متماسكة سوى الاصطفاف المضاد لها، الأهلي والطائفي بدوره وذي الثقافة أو بالأحرى الإيديولوجيا الشمولية، وحدّة خطابه وعنف مسلكه وهجومه الشامل عليها.
ب- عجز القوى والشخصيات الإصلاحية في 14 آذار عن طرح شعاراتها بفاعلية، والتصاق أكثرها (كما أكثر المثقفين العاملين معها) بالخطاب السياسي التعبوي، حتى ولو قفز أحياناً من موقف الى آخر، وذلك نتيجة الشعور بواجب الاختيار بين معسكرين من جهة، ونتيجة الاستسهال والرغبة أحياناً في القرب من القوى الكبرى وجماهيرها من جهة ثانية.
.هذا من دون أن ننسى أن الطائفية، كسمة تكوينية لمعظم التيارات الكبرى في لبنان وكنظام تصريف لحيوياتها وكمنطلق استقطاب وتمثيل داخل المؤسسات وفي مجمل أنحاء الحياة السياسية، هي في ذاتها عائق أمام إنتاج أي ثقافة إصلاحية أو تغييرية خارج التوازنات والاعتبارات المذهبية


إنطلاقاً من ذلك، من المفيد التذكير اليوم بمجموعة قضايا تهمّ شريحة واسعة من المواطنين، ممّن ناصروا المعركة الاستقلالية، وممّن قد تحبطهم بعض التحوّلات الإقليمية والداخلية المقبلة. وهم معنيون بهذه القضايا وبتحويلها أجندةً سياسية تستكمل ما عملوا في سبيله في السنوات الأربع أو الخمس الماضية.
- قضية الإصلاح بوصفها تأسيساً لثقافة مواطنية، وفيها قانون الانتخاب وضرورة إدخال النسبية إليه، وفيها اللامركزية الإدارية، وفيها أيضاً تدعيم السلطة القضائية وإعادة التشديد على مبدأ فصل السلطات كركيزة دستورية مؤسساتية، وفيها كذلك الإدارة العامة وضرورة تطويرها.
- قضية الدفاع عن الديمقراطية وعن الحريات العامة والخاصة وحقوق الإنسان ورفض كل أشكال الرقابة السياسية والأمنية والطائفية على الإبداع وعلى الرأي والتعبير.
- قضية التصدي لمختلف أشكال الابتزاز وعدم الرضوخ للتخوين، والاستمرار في الدفاع عن قيم الاستقلال والاستقرار ورفض ربط لبنان بالمحاور الخارجية بوصفها شروط حماية مجتمعه من التفكك والتشرذم.
- قضية إصلاح النظم المالية والضريبية والإنتاجية لتحسين الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية في البلاد.
يبقى التأكيد أن الانكفاء بحجة الثقافة أو بحجة عدم الرضا عن أداء مختلف الأطراف السياسيين، هو استقالة من المسؤوليات المواطنية وهروب من الواجبات الثقافية والسياسية. فمن دون استقلال واستقرار، لا حرية مضمونة ولا إصلاحات ممكنة ولا ثقافة حية.
ومن دون تحصين الاستقلال بورش الإصلاح وأدبيات المواطنة ستبقى الأمور في نقطة المراوحة بين "ثلث ضامن" من هنا و"سلاح ضامن" من هناك تفرغ 14 آذار 2005 و7 حزيران 2009 من الكثير من مضامينهما وتدفع بأقسام من الجمهور الذي انتصر في التاريخين الى الانكفاء في لحظات ما زالت الحاجة فيها كبيرة للتماسك والتضامن.

زياد ماجد